نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

133

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

إن الحوائج لم تطلب من اللّه إلا بمثل الصلاة ، وكانت الكروب العظام تكشف عن الأولين بالصلاة ، قلما نزل بأحد منهم كربة إلا كان مفزعه إلى الصلاة ، وقال اللّه عز وجل في قصة يونس عليه الصلاة والسّلام فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قال ابن عباس : كان من المصلين . قال الحسن البصري رحمة اللّه تعالى عليه : إن التضرع في الرخاء استعاذة من نزول البلاء ويجد صاحبه متكأ إذا نزل به . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ما أعطي عبد عطاء خيرا من أن يؤذن له في ركعتين يصليهما » قال محمد بن سيرين رحمه اللّه تعالى : لو خيرت بين ركعتين وبين الجنة لاخترت الركعتين على الجنة ، لأن في الركعتين رضا اللّه تعالى وفي الجنة رضائي . ويقال إن اللّه تعالى لما خلق سبع سماوات حشاها بالملائكة وتعبدهم بالصلاة فلا يفترون ساعة ، فجعل لكل أهل سماء نوعا من العبادة فأهل سماء قيام على أرجلهم إلى نفخة الصورة ، وأهل سماء ركع وأهل سماء سجد ، وأهل سماء مرخية الأجنحة من هيبته ، وأهل عليين وأهل العرش وقوف يطوفون حول العرش يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ، فجمع اللّه ذلك كله في صلاة واحدة كرامة للمؤمنين حتى يكون لهم حظ من عبادة كل سماء ، وزادهم القرآن يتلونه فيها فطلب منهم شكرها ، وشكرها إقامتها بشرائطها وحدودها قال اللّه تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وقال وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ * وقال وَأَقِمِ الصَّلاةَ * وقال وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ فلم نجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مع ذكر إقامتها ، فلما بلغ ذكر المنافقين قال فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ فسماهم المصلين وسمى المؤمنين المقيمين الصلاة ، وذلك ليعلم أن المصلين كثير والمقيمين للصلوات قليل ، فأهل الغفلة يعملون الأعمال على الترويح ولا يذكرون يوم تعرض على اللّه فتقبل أم ترد . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « إن منكم من يصلي الصلاة فلا يكتب له من صلاته إلا ثلثها أو ربعها أو خمسها أو سدسها حتى ذكر عشرها » يعني أنه لا يكتب له من صلاته إلا ما عقل منها لا ما سها عنها . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « من صلى ركعتين مقبلا على اللّه بقلبه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » وإنما عظم شأن صلاة العبد بإقبال العبد على اللّه فإذا لم يقبل على صلاته ولها بحديث النفس كان بمنزلة من قد وقف إلى باب ملك معتذرا من خطيئته وزلته ، فلما وصل إلى باب الملك قام بين يديه وأقبل عليه الملك فجعل الواقف يلتفت يمينا وشمالا فإن الملك لا يقضي حاجته ، وإنما يقبل الملك عليه على قدر عنايته ، فكذلك الصلاة إذا قام العبد فيها وسها فيها لا تقبل منه . واعلم أن مثل الصلاة كمثل ملك اتخذ عرسا فاتخذ وليمة وهيأ فيها ألوانا من الأطعمة والأشربة لكل لون لذة وفي كل لون منفعة ، فكذلك الصلاة دعاهم الرب إليها وهيأ لهم فيها أفعالا مختلفة وأذكارا فتعبدهم بها ليلذهم بكل لون من العبودية فالأفعال كالأطعمة والأذكار كالأشربة . وقد قيل إن في الصلاة اثنتي عشر ألف خصلة ثم جمعت هذه الاثنتا عشرة ألفا في اثنتي عشرة خصلة ، فمن أراد أن